آراء

اعذرنا أيها الوطن

شهاب السماوي

|
01:01 2023/05/11
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

الوطن ليس سجادة أو بضاعة ننتظر تصديرها من اسطنبول، وليس فاكهة ننتظر نضوجها في إيران، وليس برميل نفطٍ ننتظر استخراجه من قطر أو السعودية، وليس سيارة ننتظر تصنيعها في امريكا أو اليابان.


الوطن نحن وكل هذا التراب المروي بدمائنا، المثمر بأحلامنا وتطلعاتنا.. وكل هذا التنوع الذي يسكننا ونسكنه، الوطن كل هذا الجمال الذي نشوهه اليوم وكل هذا التاريخ الذي ننسفه اليوم وكل هذه الخارطة التي نمزقها ونستبدلها بالوهم.


 اعذرنا ايها الوطن لأننا جهلناك كثيرا وافتقدناك واشتقنا إليك كثيرا رغم أنك تسكننا ونسكنك لكن جهلنا بك دفعنا للبحث عنك في أيديولوجيات المتعصبين والمتشددين ونظريات التقدميين والرجعيين، وتناقضات وأكاذيب المتدينين والعلمانيين..!!


وعنك أيها الوطن بحثنا في كل ما انتجته أفكارهم وهلوساتم ونظرياتهم وأيدولوجياتهم، بحثنا في مشاريعهم الدينية والوجودية وأجنداتهم القومية والأممية، ابتداءً بفكر محمد بن عبدالوهاب وحسن البنا وسيد قطب وكل ما روج له "العلامسة" وأبواق التكفير والتشدد الديني والمذهبي، مرورا بنظريات ماركوس ولينين والخميني وميشيل عفلق ومفاهيم العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية ومشاريع الوحدة والفيدرالية والكونفدرالية والتكتلات الدولية والإقليمية، وانتهاء بزيف وسراب مهندسي ثورات ربيع الخراب الذي أعاد الوطن العربي إلى أحضان سايكس بيكو، لكننا لم نجدك ووجدنا وطناً مشوهاً، وطناً محتلاً، وطناً تابعاً، وطناً لا نملكه ولا نمتلك قراره السياسي، وطنا محكوما بالأوصياء وقرارات دول الفيتو والاستعمار الجديد، وطناً مسكونا بالتابعين والعملاء ومزدوجي الجنسية والخونة وشذاذ الآفاق.


ذهبنا بعيدا وحملناك معنا زادا وحلما وعندما وصلنا بك إلى زمن الفوضى واللاوطن قالوا لنا هذا هو الوطن الذي تبحثون عنه، هذا وطنكم الأجمل، لكن الوطن الذي يسكن الوجدان ويملأ الذاكرة التاريخية ويشكل كل تضاريس الخارطة الجغرافية أبى أن يكون ذلك الوطن المسخ الخالي من الوطن، ودفعنا لإعلان رفضنا وعدم قبولنا بأن يكون لنا وطن نستمد الوطنية فيه من خارج الوطن، ونتسابق فيه ونتنافس على خدمة الغريب وتنفيذ سياساته واجنداته وننتظره ليمنحنا الهوية وحق الانتماء إليه..!!


اعذرنا أيها الوطن الغالي لأننا جهلنا وتناسينا كل ما عرفناه وذهبنا لنبحث عنك في تيه الزمن الجديد، بل واسترخصناك ولم ندرك أننا نسترخص أرواحنا التي تسكن أجسادا تكوّنت من ترابك ومائك وهوائك واغتسلت بنقائك وتعطرت بعريق تاريخك وأمجادك، وفي لحظة من اللاوعي سعينا لاستبدالك بوطنٍ مزيف لا يشبهنا ولا يشبهك واختزلناك في اشخاصٍ وجماعاتٍ وأحزابٍ وكياناتٍ ونظريات وأيدولوجيات ولم ندرك أنهم النكرة وأنت المعلوم وأنهم الطارئون الذين لا يمكنهم أن يساوونك عمرا وتاريخا وديمومة.


اعذرنا أيها الوطن وليذهب كل أصحاب المشاريع الصغيرة وكل دعاة التقسيم والتجزئة والمتطلعون لاستبدال مشروعك الكبير بمشاريع الدول الحواري الى الجحيم.

*العلامسة: الاخوان المتأسلمين الذين بدأ مشروعهم بمعاداة العلمانية وانتهى بالإرتماء في أحضانها.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية