في عالم تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد ، وتذوب فيه الحدود بين القرار السيادي ومنطق السوق ، لم يعد الحدث السياسي يفهم بوصفه واقعة معزولة أو ردة فعل آنية ، فخلف كل تحرك كبير تختبئ حسابات أعمق من الشعارات المعلنة ، وتعمل قوى غير مرئية على توجيه المسار العام للأحداث وفق مصالح بعيدة المدى ، ومن هنا يصبح لزاما علينا ألا نكتفي بقراءة الظاهر بل أن ننظر إلى البنية التي تنتج الحدث ، وإلى السياق العالمي الذي يمنحه معناه الحقيقي
فالقضية ليست ما يحدث فقط ، بل لماذا يحدث ؟ ولصالح من ! وفي أي لحظة تاريخية ؟
ففي عالم لم تعد فيه الأحداث تقاس بظاهرها ، ولا تقرأ الوقائع بمعزل عن جذورها العميقة ، يصبح من السذاجة النظر إلى اعتقال رئيس دولة بوصفه فعلًا سياسيا منفصلا عن سياقه الأشمل ، فالتاريخ الحديث علمنا أن السياسة
في كثير من الأحيان ليست سوى القناع الأكثر قبولا لتمرير قرارات اقتصادية كبرى ، وأن ما يبدو صراعا على السلطة إنما هو في جوهره صراع على الموارد والنفوذ ، وإعادة تشكيل موازين القوة في النظام العالمي
إن اعتقال الرئيس الفنزويلي لا يمكن فهمه خارج هذا الإطار المركب ،
فهو ليس لحظة انفعال سياسي ولا نتيجة مباشرة لخلاف دبلوماسي طارئ
بل حلقة في سلسلة طويلة من التحركات المدروسة ، حيث تدار الدول كما تدار الأسواق ، وتقاس الأوطان بما تختزنه من ثروات لا بما ترفعه من شعارات
وهنا يتراجع الإنسان بوصفه فاعلا ، ويتقدم الاقتصاد بوصفه المحرك الخفي لكل شيء ، حيث ان في الفلسفة السياسية الحديثة لم تعد الدولة كيانا سياديا مطلق الإرادة بل غدت جزءا من منظومة كونية تتحكم فيها شبكات المصالح العابرة للحدود ، وضمن هذه المنظومة يعاد تعريف مفاهيم مثل " الشرعية ، والعدالة ، والقانون الدولي " وفق ما يخدم التوازن الاقتصادي العالمي فالقرارات لا تتخذ لأنها أخلاقية بالضرورة بل لأنها مجدية ، ولا تبرر لأنها عادلة بل لأنها ممكنة في ميزان القوة
ومن هذا المنطلق يتجلى الذكاء السياسي حين يقترن بالبصيرة الاقتصادية وحين تدار الأزمات لا بهدف حلها بل بهدف توظيفها
فالدول الكبرى لا تبحث عن الفوضى لذاتها بل عن الفوضى القابلة للضبط ،
تلك التي تسمح بإعادة ترتيب الأوراق دون الحاجة إلى إعلان حرب صريحة
لإن التدخل حينها لا يكون مباشرا بل يتسلل عبر المؤسسات ، والعقوبات ، والقرارات القانونية ، حتى يبدو وكأنه استجابة طبيعية لمسار الأحداث لا صناعة مقصودة لها
ان التحرك الأمريكي اليوم لا يبدو استثناء عن هذه القاعدة بل تجسيدا لها
فهو تحرك هادئ في تخطيطه ، عميق في حساباته ، لا يستهدف شخصا بقدر ما يستهدف بنية كاملة
ففنزويلا بما تملكه من ثروات طبيعية هائلة ، وبما تعانيه من هشاشة اقتصادية داخلية ، تمثل نموذجا مثاليا لتطبيق منطق " الضغط من أجل إعادة التشكيل " فإن الأرض الغنية حين تترك بلا حماية مؤسسية تتحول إلى عبء على أصحابها وإغراء دائم لغيرهم
قد ينشغل الرأي العام اليوم بتفاصيل الحدث ويتجادل حول شرعيته أو تداعياته السياسية الآنية ، غير أن التفكير الفلسفي يدعونا إلى تجاوز السطح
والنظر إلى الزمن بوصفه عنصرا حاسما في فهم الوقائع ، فما يحدث الآن ليس سوى بذرة وما سيحدث لاحقا هو الثمرة ، والتاريخ الاقتصادي يخبرنا أن الثمار لا تقطف إلا بعد أن تتهيأ التربة وتزال العوائق ويعاد رسم المشهد بما يسمح لقوة ما بأن تحصد وحدها ، حيث في هذا المعنى تصبح الدولة وطنا مشروعا لا كيانا وسوقا مفتوحة ، فحين تختزل الأوطان إلى موارد يصبح من السهل تبرير كل شيء باسم الاستقرار أو الإصلاح أو الشراكة الدولية
فاللغة هنا ليست بريئة بل أداة ناعمة لإعادة صياغة الوعي حتى يقبل المتلقي ما كان يرفضه سابقا ويعتاد ما كان يراه مستحيلا
وهكذا ، فإن هشاشة التربة ليست مجرد استعارة اقتصادية بل توصيف فلسفي لحالة الضعف البنيوي التي تجعل التدخل الخارجي ممكنا ، بل ومبررا في أعين العالم ، فحين تفشل الدولة في تحصين ذاتها من الداخل تصبح عرضة لإعادة التشكيل من الخارج ، لا بالقوة الخشنة وحدها بل بالقوة الذكية التي تعرف كيف تنتظر وكيف تستثمر الزمن وكيف تجعل من الغد نتيجة حتمية لما زرع اليوم
في النهاية لا يكمن السؤال الحقيقي في مشروعية الاعتقال أو عدمها بل في النظام الذي يجعل من مثل هذه الأفعال أمرا متوقعا بل ضروريا في منطق المصالح ، فالعالم لا يدار بالأخلاق وحدها ولا بالقانون المجرد ، بل بتوازن دقيق بين القوة والاقتصاد ، حيث لا يترك شيء للصدفة ولا تتخذ خطوة دون أن يكون لها ثمن وربح ومسار مرسوم سلفا.