آراء

إيران مابعد السيادة و كيف يعاد انتاج الهيمنة

دعاء هزاع الجابري

|
قبل 5 ساعة و 4 دقيقة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

عندما تدخل الأزمنة الهامشية ، لا تعود السياسة قرارا يتخذ ، بل شرطا يفرض وتتراجع اللحظة لصالح البنية ، ويغدو الحاضر مجرد واجهة رقيقة لتاريخ أطول يتكرر بأسماء جديدة ، في هذا الحيز لا تتحرك الدول بإرادتها الكاملة
بل تدفع داخل مسارات صيغت سلفا ، حيث تمارس السلطة لا باعتبارها سيادة ، بل كإدارة دائمة للهشاشة ، فما نعيشه اليوم ليس أزمة طارئة ، بل استمرار لعنف مؤجل ، ليس انفجارا بل كشفا لما كان يعمل في العمق
فالأحداث في سياق كهذا لا تفهم كوقائع مستقلة ، بل كأعراض لخلل أقدم في معنى الدولة نفسها ، دولة لم تستكمل بوصفها عقدا ، بل أُنجزت كوظيفة وكجهاز أعيد توظيفه مرارا ضمن منطق الهيمنة

ومن هنا يأتي الدور " الايراني " لا كفاعل مكتمل السيادة بل كمساحة متنازع عليها رمزيا ، فهي ليست مركز القرار بقدر ما هي عقدة في شبكة أوسع ، حيث يعاد إنتاج منطق ما بعد الاستعمار بأدوات جديدة بالضغط بدل الاحتلال ، والعقوبات بدل الجيوش ، والعزل بدل السيطرة المباشرة ، وتستدعى إيران حينها كحليف حين تطلب وظيفتها ، وتعاد تسميتها خصما حين تصبح كلفتها أعلى من فائدتها ، وهكذا لا تعامل كدولة بل كحالة دائمة من الاختبار
ان ما يحدث في ساحتها الان لا يمكن قراءته كفعل احتجاجي صرف ، لأن هذا ليس تعبيرا عن حرية مكتملة ، بل عن انسداد وجودي ، وصوت ذات سياسية لم تمنح فرصة التحقق ولم يسمح لها بأن تكون سوى موضوعا للإدارة
فهذا الغضب اليوم ليس لحظة تمرد بل تراكم صمت طويل ، صمت أنتجته بنية سياسية تقوم على التعليق الدائم للحياة العامة وعلى تحويل المجتمع إلى مجال ضبط لا فضاء مشاركة ، في الظاهر يبدو للمشهد حراكا شعبيا ، لكن في العمق هناك تتحرك قوى لا ترى في الشعوب سوى وسائط ، فمنطق ما بعد الاستعمار لا يحتاج إلى أعلام مرفوعة ، بل إلى شبكات مصالح وإلى خطاب يعيد تعريف الألم بوصفه ضرورة انتقالية ، وهنا لا تلغى السيادة بل يعاد تدويرها ، ولا تمحى الدولة بل تفرغ من معناها ، لتترك قائمة بوصفها إطارا إداريا بلا أفق تحرري

ان إيران هنا وفي هذا المعنى ليست بقعة جغرافية فقط بل سؤال فلسفي عن إمكانية الدولة خارج منطق الوصاية ، حيث ان انهيارها أو تفككها لن يكون حدثا محليا بل انكشافا لفراغ أوسع ، ليكون بذلك العراق بحكم تاريخه القريب ، أول من يلمس هذا الفراغ ، هناك حيث الدولة لم تستعد كمعنى بعد ، وحيث السلاح حل محل العقد الاجتماعي ، ليعاد طرح السؤال نفسه : لمن تنتمي السلطة حين تفقد الدولة قدرتها على التمثيل؟
وفي هذا الفراغ لا تظهر الولايات المتحدة كقوة غازية بالمعنى الكلاسيكي 
بل كمدير للأزمات ، وحضورها لا يقوم على الاحتلال بل على تنظيم الاختلال 
ولا تسعى إلى إنهاء الفوضى بل إلى جعلها قابلة للتوقع ، ان هذا الشكل من السلطة هو الامتداد الأحدث لمنطق استعماري قديم وهو " السيطرة دون مسؤولية " للتدخل دون التزام أخلاقي ، والحكم دون اعتراف بالآخر كذات سياسية كاملة ، ولا يتوقف أثر هذا الاختلال عند حدود إيران أو العراق
بل يمتد بتاثيراته إلى لبنان وسوريا واليمن ، حيث الدولة معلقة بين ذاكرة سيادة لم تكتمل ، وواقع ارتهان لم يعلن بالكامل ، فتتوسع الهشاشة وتستدعى الهويات لا بوصفها انتماءات حرة بل كأدوات ضبط وصراع ، وعلينا ان لا ننسى تاثيرات المناخ تلك ووصولها للخليج الذي لن يسلم من اعاصيرها ، ففي قلب هذا المشهد تقف " إسرائيل " بوصفها المستفيد البنيوي من تفكك المعنى الإقليمي والذي لطالما طمحت اليه وتسعى يوم بعد اخر وراءه ، فهي كيان لا يحتاج إلى إنتاج الفوضى ، لأنه ولد في فراغها ويزدهر باستمرارها
الا ان استمرار الوضع في الداخل الايراني على هذا النحو سيعمل على الأنزلاق إلى ما يمكن تسميته " بالعنف الوجودي الدائم " وهي حالة لا حرب فيها ولا سلام ، حيث يتحول المجتمع إلى ساحة استنزاف دائمة وتستهلك السياسة بوصفها إدارة للقلق لا أفقا للتحرر ، حرب أهلية بلا إعلان تدار عبر الاقتصاد والهويات والعزلة وتعدد الفاعلين دون مركز قادر على استعادة المعنى

ومن الاجانب الاخر على المستوى العالمي لا يبقى هذا العنف محليا ، فستهتز أسواق الطاقة ، ويغدو " مضيق هرمز " رمزا لا لهشاشة الإقليم فحسب ، بل لزيف استقرار النظام الدولي ذاته ، حيث عالم يدعي التنظيم ، لكنه قائم على نقاط اختناق وعلى توازنات لا تصمد أمام سؤال الوجود 
لهذا لا يمكن قراءة ما يحدث بوصفه صراع نظام وشعب ، ولا مواجهة نفوذ عابرة ، فنحن أمام لحظة وجودية في تاريخ الإقليم ، تدار بمنطق ما بعد الاستعمار ، وتبرر بلغة الواقعية السياسية الباردة ، لحظة تختزل فيها الشعوب إلى متغيرات ، وتعامل الجغرافيا كمسألة تقنية لا كفضاء حياة 
إنها لحظة تتطلب تفكيك الخطاب لا استهلاكه ، والتشكيك في المعاني الجاهزة والإصغاء لما يقصى من الكلام ، لأن ما يصاغ في الهامش وما يدار خلف الابواب المغلقة هو غالبا ما يحدد شكل المستقبل ، لا ما يعلن للملئ في تجمهر الساحات .

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية